حقنا في الكلام

الكلمة ايد
الكلمة رجل
الكلمة باب
الكلمة نجمة كهربية في الضباب
الكلمة كوبري صلب فوق بحر العباب
الجن يا احباب
ما يقدر يهزموا
فاتكلموا
اتكلموا
اتكلموا

Sunday, April 5, 2009

سي السيد وأمينة


رحم الله الكاتب الروائي العبقري نجيب محفوظ والذي قدم لنا شخصيتين من اروع الشخصيات التي عرفتها السينما المصرية: سي السيد وأمينة. سي السيد الذي يمثل الذكر المصري بشحمه ولحمه كما لازلنا نراه إلى يومنا هذا مع فروق بسيطة، وأمينة كما لازلنا نراها اليوم أيضا والتي تمثل الأنثى المصرية. سي السيد كما رسمه الراحل نجيب محفوظ كان راجل يستعبد زوجته امينة لتلبي له مراده وتحقق له هواه بدون ان يتعب او يجهد نفسه؛ فهو الذكر صاحب الطلب المجاب والأمر المطاع والكلمات القاطعة. وتجد أمينة تتحمل كل الصعاب من اجل تحقيق رضى زوجها، تكد وتتعب لتحقيق اماني سي سيدها؛ فسعادة سي السيد مسئوليتها، رضاه مسئوليتها، راحته مسئوليتها، وما خلقت هي إلا لتكون آداة لتسهيل حياة سي السيد.

تعايش الناس بذكورهم وإناثهم وبكل وجدانهم مع شخصية سي السيد وأمينه، يمقتون تصرفات سي السيد ويتعاطفون مع امينة المغلوبة على امرها، يلقون باللوم على عاتقها؛ فهي من ارتضت هذا الذل وقبلته وصدقته وعاشته وكأن الله خلقها لتكون ذليله امام سي السيد. وتعايش الناس مع القصة وتعاطفوا معها لدرجة أنهم اصبحوا يتهكمون على كل رجل تشتكي منه زوجته بأنه "سي السيد". وتظهر هنا سخرية القدر في قوم يتهكمون على سي السيد واسلوبه وهم في الحقيقة يجلهون إن غالبيتهم يمثلون سي السيد وامينة؛ فالرجل المصري لا يخرج عن كونه سي السيد والمرأة المصرية لا تخرج عن كونها امينة.

سي السيد الماضي كان يبحث عن الراحة الدنيوية داخل بيته بعد ان يجد المتعة خارجه؛ يأمر امينة فتحضر له الطعام وتجهز له فراش الزوجية وترتب له سرير نومه وتراعي له أولاده في وقت غيابه وحضوره،. سي السيد الحاضر لا يختلف كثيرا عن سي السيد الماضي اللهم إلا بإختلاف التوجهات المصرية العامة. ففي حين أن سي السيد الماضي كان يسعى وراء راحته الدنيوية مستغلا امينة في ذلك، فإن سي السيد القرن الواحد والعشرين يبحث عن راحته في الآخرة مستغلا ايضا امينة في ذلك.؛ وفي الحالتين تجبر امينة على تسخير الصعاب وتحمل العذاب من اجل ان يأخذ سي السيد ما يسعى إليه. أمينة القرن الواحد والعشرين تسعى يمينا وشمالا مثل أمينة الماضي ولكن من أجل أن يحصل سي السيد على الثواب ويضمن دخول الجنة مثاب. كم ابدع الراحل نجيب محفوظ عندما صور لنا تلك المآساة والتي لازلت مستمرة ولكن تحت غطاء اجتماعي آخر.

ابسط ما يميز أتباع أمينة القرن الواحد والعشرين هو "الحجاب" مع كامل احترامي لحرية المرأة في اختيار زيها؛ ولكنها لو خيرت بحق لما اختارت ان تسجن حياتها داخل حجاب – والحجاب لغويا يعني حاجز – من اجل ان يضمن الذكر دخول الجنة فتضمن هي دخولها ايضا. عندما تسأل المحجبة عن سبب حجابها وعن سبب إيمانها بأن الله فرض عليها الحجاب يأتي الرد دائما وابدا: إن الله فرضه علينا معشر النساء حتى يستطيع الرجل غض بصره فنحيا في مجتمع صالح يسوده جو من العفة. وكان سؤالي التالي هو: وهل على المرأة ان تتلفع هكذا ليغض الرجل بصره وليصير المجتمع مجتمع عفة؟ وهل حقيقة نحن في مجتمع عفة؟ فيأتي الرد بأن الله هو من امر الرجل ان يغض بصره ولن يستطيع الرجل ان يغض بصره لو ان النساء سافرات ووقتها ستتحمل النسوة وزر نظرات الرجل. أنه منطق عجيب ويذكرنا بأمينة المسكينة التي تحمل على عاتقها رعبا من وزر كونها انثى خلقت لمتعة الرجل وراحته وإن لم ترضخ وتطيع سوف تنام والملائكة لاعنه لها ولأمثالها!. أمينة الحالية ايضا ترى أن امر الله للرجال (وكذلك النساء) يعني تحميلها مسئولية ضمان الرجل الثواب والجنة وإن ضمن الرجل الجنة ضمنتها هي ايضا، وان اختل ثواب الرجل وقاده إلى النار اصبحت هي من اكثر اهل النار لأنها من غوت الرجل بشعرها الغجري المجنون المتطاير في كل الدنيا. يعني مرة اخرى سي السيد يلعب بعقل أمينة المسكينة ويجبرها على التبرقع والتحجب لأن سيادته لا يريد ان يجهد نفسه ويغض بصره، فأقنعها أن غض بصره هو فيه ضمان جنة لأمينة ولن يستطيع ان يغض بصره لأنه يعاني من امراض الشبق الجنسي وعلى أمينة ان تقوم بالمهمة بالنيابه عنه... ولما لا هو سي السيد بجلالة قدره.

لو ان الله امرني بأن لا اسرق، فلن تمد يدي على ما لا يخصني ولو فتحت خزائن الدنيا امامي ، ولن اطلب من الناس أن تغلق الخزائن حتى استطيع ان اصون يدي. لو أن الله امرني بأن أقول الحق، فلو وقف العالم كله ضدي فلن اقول إلا كلمة الحق ولن اطلب من الناس الا ترهبني حتى استطيع أن اصون لساني. لو طلب مني الله ان لا آكل لحم خنزير فلن آكل ولو زينت لي الطاولات بلحوم الخنزير ولن اطلب من الناس عدم تناول لحم الخنزير امامي حتى استطيع ان اصون اوامر الله لي. نفس المنطق سوف أطبقه على غض البصر، فلو امرني الله ان اغض بصري فلن اطلب من كل شخص ان يخفي ممتلكاته وزينته وما انعم الله عليه من نعم حتى استطيع ان اصون عيناي واغضهما عن شئون الآخرين. ولكن مع امينة، لا يعنيها ان تفكر او تتدبر او تدافع عن حقها في أن لا تجاهد بالنيابة عن سي السيد ليأخذ هو الثواب بلا مجهود، ولكن جل ما يعنيها هو طاعة سي السيد وراحة سي السيد وان ينال سي السيد الثواب وجنات النعيم التي تجري من تحتها الأنهار. لا تستطيع امنية ان تقف دقائق لتفكر أن الله امرها هي ايضا ان تغض البصر فهل تسأل سي السيد ان يضع "غطرة" على رأسه ليصون عيناها من جمال خصلاته شعره المنسدلة على وجهه الملائكي! لا تستطيع أمينة ان تقف دقائق معدودة لتتساءل لما اجهد وأتعب نفسي من اجل ان يحصل سي السيد على كل شيء بما فيهم الثواب الإلهي! وما هو الجهد الذي يبذله سي السيد من أجل ان اضمن انا الجنة؟ لما اتحمل انا المشقة لأساعد سي السيد على غض بصره وهو في واقع الأمر مطالب بأن يجاهد فتن الحياة بنفسه لينال الرضا السماوي!


الجدير ذكره هنا ان غض البصر أمر عام وليس خاص. يعني هو امر عام بكل شيء في الحياة وليس خاص بجسد المرأة فقط وخاصة أن امر الله جاء لكلا الرجل والمرأة. فغض البصر هو الترفع عن الحقد والحسد والنظر إلى ما انعم الله على الآخرين. يعني غض البصر أمر متمثل في غض البصر عن سيارة اخيك وبيت جارك ومال صاحبك وامرأة فلان ورجل علانة. ولكن شيوخنا الأجلاء ربطوا غض البصر بالهياج الجنسي الذي يصيب امثال سي السيد، ولأن سي السيد سي سيد فما عليه إلا أن يذهب إلى أمينة ويقول لها بأن الشيوخ قد افتوا بأن سبب شبقه وهياجه الجنسي انه لا يغض بصره وانه جلالته لا يستطيع أن يغض بصره لو ان امينة تشبه فرجينيا جميلة الجميلات في شوارع القاهرة، وبالتالي عليها ان تتحول من فرجينيا جميلة الجميلات إلى بتعه التي "تخلي بالها من العيال" حتى يهدئ من حالة هياجه ويرضي الله سبحانه وتعالى.

مع امينة وسي السيد تستطيع لي عنق آيات اي دين وتحريف اي اعراف اجتماعية حتى تزلل أمينة الصعاب لتحقيق مراد سي السيد وليس مراد الحق او رب الحق.

No comments: